محمد سالم أبو عاصي
74
علوم القرآن عند الشاطبي من خلال كتابه المواقف
" من الناس من زعم أن في معاني القرآن ما هو ظاهر وما هو باطن ، وربما نقلوا في ذلك عن الحسن حديثا مرسلا يقول : " إن للقرآن ظهرا وبطنا - أي - ظاهرا وباطنا - ، وكل حرف حدّ ، وكل حدّ مطلع " . وفسّر بأن الظاهر : هو ظاهر التلاوة ، والباطن : هو الفهم عن اللّه لمراده ؛ لأن اللّه يقول : فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً [ سورة النساء : 78 ] ، والمعنى : لا يفهمون عن اللّه مراده من الخطاب ، ولم يرد أنهم لا يفهمون نفس الكلام . . كيف وهو منزّل بلسانهم ؟ ! ولكنهم لم يحظوا بفهم مراد اللّه من الكلام . . وقال تعالى : أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [ سورة النساء : 82 ] . فظاهر المعنى شيء " وهم عارفون به ؛ لأنهم عرب " ، والمراد شيء آخر " وهو الذي لا شك فيه أنه من عند اللّه " . وإذا حصل التدبر ؛ لم يوجد في القرآن اختلاف البتة ، فهذا الوجه " الذي من جهته يفهم الاتفاق ، وينزاح الاختلاف " هو الباطن المشار إليه . فالتدبر إنما يكون لمن التفت إلى المقاصد " . " وحاصل هذا الكلام : أن المراد ب " الظاهر " هو المفهوم العربي ، وب " الباطن " مراد اللّه تعالى من كلامه وخطابه . فإن كان مراد من أطلق هذه العبارة ما فسّر ؛ فصحيح ، ولا نزاع فيه ، وإن أرادوا غير ذلك ؛ فهو إثبات أمر زائد على ما كان معلوما عند الصحابة ومن بعدهم . فلا بد من دليل قطعي يثبت هذه الدعوى ؛ لأنها أصل يحكم به على تفسير الكتاب ، فلا يكون ظنيّا . وما استدل به إنما غايته - إذا صح سنده - أن ينتظم في سلك المراسيل . وإذا تقرر هذا ؛